يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
83
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
رجع الكلام إلى شرح بقية الحديث : التغني بالقرآن : فسر أبو عبيدة رحمه اللّه قوله عليه الصلاة والسلام : يتغنى بالقرآن . قال : معناه تحزين القراءة ، وذكر عن طاوس أنه قال : أقرأ الناس أخشاهم للّه . وجاء في حديث آخر : ليس منا من لم يتغن بالقرآن . قيل معناه يستغني به ، واستشهد قائل هذا بما قيل من حفظ القرآن فرأى أن أحدا أغنى منه فقد عظم ما صغر اللّه وحقر ما عظم اللّه أو نحو هذا الكلام ، هذا معناه . يقال : تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت . وقال غيره : إنما معناه أن يجعله مكان الغناء الذي كانت الأعراب تستعمله في خلواتهم وعند طربهم . يقول : من حفظ القرآن أو شيئا منه فليجعله عوض ما كان يستعمله أهل الجاهلية من الغناء واللهو ، واللّه أعلم بما أراد رسوله صلى اللّه عليه وسلم من ذلك . وجاء في الحديث المتقدم في رواية : كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ، أراد حسن الصوت . وقد تقدم أن معنى كإذنه كاستماعه . واستماعه كناية عن إجابته ، كما يقال : سمع اللّه لمن حمده ، أي : أجابه . ومنه قولهم : سمع اللّه منك ، واللهم اسمع منا دعاءنا ، معناه كله : أجب ، ويحتمل أن يكون تخصيصه بحسن الصوت ، أي : يجيبه أكثر من غيره لأنه أكثر عملا لا سيما وقد قال يجهر به فالجهر عمل زائد على السر كما جاء في الحديث : زينوا القرآن بأصواتكم . وقد قيل في هذا إنما هو على القلب أي : زينوا أصواتكم بالقرآن ، لأن القرآن ليس مخلوقا فكيف يزينه المخلوق ، اللهم إلا أن يرتله ويرفع صوته إذا سلم من الآفات ، ويحسن قراءته ، ويجتهد في ذلك ما استطاع ، ويتدبر آياته ، فهذا في وسع العبد وعليه يثاب ومنه يسمع أكثر إن شاء اللّه تعالى . ولحسن الصوت معنى في المقروء ، كما للخط الحسن معنى في المكتوب . وقد قالوا : الخط الحسن يزيد الحق وضوحا ، واللّه أعلم . السّواد : وأما السواد : بكسر السين فهو السرار . قال أبو عبيد : قال الأصمعي : يقال منه ساودته سوادا ومساودة ، إذا ساررته ، ولم يعرفها سوادا برفع السين . قال أبو عبيد : ويجوز الرفع وهو بمنزلة جوار وجوار ، فالجوار المصدر ، والجوار الاسم . قال الأحمر : هو من إدناء سوادك من سواده وهو الشخص . قال أبو عبيد : وهذا من السرار أيضا لأن السر لا يكون إلا بإدناء السواد من السواد . وقال أبو عمرو : سئلت ابنة الخس : لم زنيت وأنت سيدة قومك ؟ قالت : قرب الوساد وطول السواد . ذكر هذا أبو عبيد رحمه اللّه . قلت : ولقد صدقت ابنة الخس في هذا الفعل النحس . رأيت في بعض الكتب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لابنته فاطمة رضي اللّه عنها : أيما خير للمرأة وخير